5000 لبناني في إسرائيل يتنفّسون “هوا الجنوب”: تبدّلت الأحوال… ماذا عن الأشواق؟!


خاص 30 أيار, 2026

مرّ وقت طويل على “رحيلهم” القسري إلى “جوا”. لم يظنّوا يومها أنّهم سيقفون بعده طويلًا عند الحدود، على الشريط الفاصل، وينظرون إلى السّهل، ويلوّحون بأياديهم إلى “هوا الجنوب”. 26 عامًا مرّت. كم يمرّ الوقت سريعًا على ناس وطويلًا، مُمِلًّا على آخرين. بيار رحل مع عائلته. حسين هرب. علي خاف ومشى. جوليا، هرولت وراء والدها وما زالت -بعد 26 عامًا- تسترق النّظر بين حين وآخر إلى بيوت القليعة بحثًا بين النسمات عن عيون جدّتها التي كانت تزرف ليلتها بدل الدموع دماء. اليوم، يُحكى عن عفوٍ ممكنٍ. أمّا هم فيحكون عن وطنٍ في البال وأرض لجوء في الواقع. هم لم يختاروا الرحيل، فهل اختاروا الطريقة التي عاشوا فيها؟ وهل سيعودون يومًا؟

كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:

بعد ربع قرنٍ تتبدّل الأشياء. فماذا عن الأشواق؟ هند، أصبحت مُقعدةً وما زالت تنظر من شباكِها إلى واحدةٍ من القرى الحدودية بحثًا عن فلذة كبدها الوحيد الذي وعدها بأن يعود وهو، كما ربّته، يفي. اليوم، الغارات التي تسقط على رؤوس الصامدين في تلك القرى تأتيهم اليوم من الجانبَيْن، والعائلات المشلّعة، تنال “النار والدمار” من الميلَيْن. لكن، إنْ كنّا نعرف ماذا يحصل هنا. فماذا عن اللبنانيين هناك؟

يُسمّونهم هناك “الجالية اللبنانية في إسرائيل”. وهم مَن خسروا انتماءهم القومي مرتَيْن، مرّة حين نقلتهم دولتهم إلى رعاية منظّمات الثورة الفلسطينية، ومرة ثانية حين اضطرّوا إلى اللجوء إلى “دولة العدو” هربًا من انتقام حزب إيران في العقيدة والهوى. هربوا يوم سمعوا من “الحزب الأصفر” نواياه في نحر رقابهم وبقر بطونهم، ومن دولةٍ حاقدةٍ نوايا محاكمتهم بتهمة “صمودهم في أرضهم متمسّكين بعلم بلادهم”.

هم يتذكّرون ذلك اليوم، لحظة أُغلقت بوّابات الحدود بين لبنان وإسرائيل معلنةً استكمال الدولة العبرية انسحابها من جنوب لبنان تطبيقًا للقرار 425. تحرّكت قوافل الباصات من الحدود إلى نقطة التجمّع في مدينة طبريا حيث تمّ تقسيم أكثر من 12 ألف لبناني على فنادق شمال إسرائيل ووسطها تمهيدًا لنقلهم إلى بيوت في مدن نهاريا ومعلوت وصفد وكريات شمونة وكرمئيل وحيفا وطبريا وبركا وحرفيش وعسفيا الدّرزية وجميعها في شمال إسرائيل. ونُقلت أُسَرٌ قليلة إلى تل أبيب.

إنّها النهاية؟ دموع كثيرة. خوف وقلق وحزن واشتياق. صعبٌ أن يترك الإنسان كل شيء ويُهرول بلا أي شيء إلى أرضٍ لا تُشبههم بشيء. وجدوا أنفسهم في مجتمع يهودي منغلق على نفسه وآخر عربي توقّف التاريخ لديه في العام 1948. كان أحد تلفزيونات لبنان يومها يعرض برنامجًا اسمه “بيروت في الليل”، وكان اليهود يتابعونه. ووجد اللبنانيّون أنفسهم فجأةً بين خيارٍ من اثنَيْن: إمّا البقاء في دولة “عدوّة” أو العودة للمحاكمة مع معلومات مِمَّن سبقوهم بأنّ “الحزب” يفرض عليهم جزيةً مقدارها 20 ألف دولار. عاد مَن عاد. ومَن بقي عانى كثيرًا.
فكيف عاش مَن طال مكوثه؟ كان الهمّ الأوّل كيفية استيعاب التلامذة، خصوصًا أنّهم لا يعرفون العبرية. يومها استحدثت وزارة المعارف الإسرائيلية -بحسب أحد الفارّين- مدارس للبنانيين عُرفت بـ”مدارس الأرز”، تُعلّم المنهج اللبناني مع إدخال المنهج الإسرائيلي. وتدريجيًّا، بعد أن طال اللجوء، أصبح الطلّاب ينتقلون إلى المدارس والجامعات الإسرائيلية وتعلّموا اللغة العبرية بلكنةٍ غربيةٍ تسمى “الأشكناز” أو لهجة “السنوب”. خسرنا أطفالنا. أصبحوا يجيدون العبرية أكثر من العربيّة الفصحى. وبدأت الأسماء تتغير لفظًا. حنّا أصبح ينادى عليه خنّا ومحمد مخمد وحسن خسن. غير أنّ علم لبنان استمرّ يرتفع فوق بيوت اللبنانيّين. استمرّ لبنان حاضرًا ولو في الذاكرة والحنين.

ماذا عن تسجيل المواليد الجدد؟ “إنّهم يُسجلون انتماءً بأسماء البلدات التي وُلدوا فيها، أمّا الكبار الذين فرّوا من لبنان فسُجّلوا في هوياتهم الجديدة تحت خانة “القوميّة لبنانية”.

المسيحيّون كانوا يشاركون في الذبيحة الإلهية في الفنادق والبيوت، وتدريجيًّا بدأ كهنة البلدات المسيحية المُحيطة بأمكنة سكنهم يدعونهم إلى مشاركتهم. في طبريّا أقيم أول احتفال للمناولة الأولى. وتدخّلت لاحقًا جمعية المرسلين اللبنانيين وأرسلت كهنةً من لبنان أعادوا ترميم كنيسة في مدينة عكا وأخرى في كريات شمونة. وأصبح هناك اليوم حيّ بُني حديثًا في نهاريا، سكنه عدد كبير من اللبنانيين، وبات يُستدلّ إليه من سائقي الباصات والسيارات العمومية باسم “الحيّ اللبناني”. للأسف. التخلّي الطويل عن ناس من لحم ودم يقهر.

اللبنانيون الفارّون، في البداية، لم يفاتحوا أحدًا بشأن إقامة مدافن خاصّة بهم. قرارهم كان العودة إلى أرضهم ولو جثّة. وكم جثّة هامدة نقلها عناصر الصليب الأحمر من هناك. الموت كان سبيلًا لتلتئم الأجساد بتراب وطنٍ نسيهم عند الحدود. لاحقًا، خصّصت مدافن للبنانيين. نسمع أرقامًا عدّةً عن عدد مَن بقوا هناك بعد ربع قرن؟ يُحكى أنّ العدد الحقيقي الحالي يتراوح ما بين 4700 و5000 شخص. هناك زيجات حدثت بين اللبنانيين، بين شباب وشابات من الجيل الثاني، أي الذين فرّوا إلى هناك في أعمار تراوحت ما بين 13 و15 عامًا. أما مَن هم أصغر سنًّا -ويمثّلون الجيل الثالث- فتزيد فيه زيجات اللبنانيين من مسيحيّي ومسلمي إسرائيل. أمّا الزيجات مع اليهود فشبه معدومة ولا تتعدّى أصابع اليدين.

أكثرية المهن التي يعمل فيها اللبنانيون “جوّا”: “في النجارة والحدادة والكهرباء، ومنهم من تدرّج في الإدارة ضمن هذه السلطات، وهناك مَن يعملون في قطاع التعليم بعد خضوعهم إلى دورات تأهيلية. كما فتح لبنانيون، بمبادرات فردية، مطاعم ومشاغل صغيرة. ويتحدّث مَن أمضوا العمر خارج الوطن -حتّى يوم كانوا على أرضه المنسيّة- عن ارتباط اللبنانيين هناك -من كل الطوائف- ببعضهم. الأفراح واحدة والأعياد واحدة والأحزان أيضًا واحدة. وكلهم -بدون استثناء- ما زالوا يتذكرون حادثة وفاة أحد أفراد الجالية من الطائفة الإسلامية حيث لم يقبل شيخ محلّي الصلاة على جثمانه، فطلبت زوجته من الكاهن أن يصلّي عليه. وهذا ما حصل.

حبّ لبنان استمرّ بلا استثناء “من الكبير والصغير وحتّى المقمّط بالسّرير، حتى ولو كان البلد الذي فروا منه -ويبعد في الجغرافيا كيلومترات قليلة- أبعد من أستراليا وأميركا وكندا”. إلى هناك هاجروا. وهناك كانوا يلتقون مع أهاليهم. ويُشير مَن عاشوا في بلادٍ عدوّةٍ “أنّ في كل بيت من بيوتنا احتوى دائمًا على أيقونات مقدّسة وعلم لبناني”. اللبنانيون الصغار -مَن ولدوا هناك- يتحدّثون العربية “المكسّرة” ويتابعون سير الأحداث، وكلّ غارة تنزل على لبنان وكأنّها تنزل على رؤوسهم. وكيف لا وهم –مهما نسيتهم الدولة اللبنانية– يبقون لبنانيّين أبًّا عن جد.

اليوم، عادوا على مسرح التسويات من باب “العفو”. فهل ينتظرون ذلك ليعودوا؟ يتحدّث أحدهم بقلبٍ مفعمٍ بالظلم والقهر: “آخر مرة التقيتُ فيها بوالدتي -رحمها الله- في قبرص. كانت بعمر التّسعين. وحين عادت إلى لبنان استدعوها إلى الأمن العام في بنت جبيل وقالوا لها: كيف تقابلين عميلًا؟ أجابتهم: التقيتُ ابني. أردتُ أن “أشمّ” رائحته. وهو ليس عميلًا. سألوها: هل ستلتقي به من جديد؟ أجابتهم: كلّما ناداني واستطعت سأراه”. ماتت ولم يلتقيا على هذه الأرض. اللقاء المقبل سيكون في دار الخلود.

يتذكّر اللبنانيون الذين “هشلوا” تخلّي الدولة عنهم عام 1969 ثم 1975 ثم 2000: “هي كرّرت جريمة التخلّي عنا. لم تبالِ بنا. واليوم، نخشى أن لا تكون العودة -مع عفوٍ أم من دونه- من أولويّات الكثيرين”. صعبٌ أن يعتاد الإنسان على منفاه. كبارهم شاخوا. بعضهم ماتوا. وصيت العمالة لاحقهم كظلّهم. صيت آلمهم جدًّا لفعلٍ ارتكبته دولتهم -دولة لبنان- وتمادت. هؤلاء اليوم في ذكرى “النّفي” وحاضر الكلام عن العفو ينظرون إلى علم بلادهم ويبتسمون. وما عداه كل شيء تغيّر. هو مصير كُتب عليهم. هؤلاء حاولوا أن يتعايشوا لكنّهم “لم يعيشوا”. هؤلاء عاشوا في الزمن الضائع: نفي قسري طويل… طويل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us